الطبراني
53
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ثم لمّا طلع القمر فوجد صفته في العظم والإشراق وانبساط النور أكبر ، قرّر في نفسه أيضا على ما ينقسم حكمه فقال : هذا ربي ، فلما رآه وتأمّله وجده في معنى الكوكب في الطّلوع والأفول ، فحكم عليه بحكمه ، وإن كان أكثر منه ضوءا . ثم لمّا رأى الشمس في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها ، قال : هذا ربي ؛ لأنّها كانت تخالف الكواكب والقمر في هذه الأوصاف ، فلما رآها أفلت ، حكم لها بالحدوث وأنّها في حكم الكوكب والقمر منتقلة ؛ لوجود دلالة الحدث في الجميع . قالوا : والذي يؤيّد هذا التأويل الذي ذكرناه : أن قول إبراهيم على وجه النّظر والتّفكّر ، ما ذكره اللّه عنه أنه عليه السّلام قال : ( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) . والثاني ؛ وهو الأقرب إلى الصحة : أن إبراهيم إنّما قال هذا في حال الطّفولة قبل كمال عقله حين حركة الخواطر للفكرة ، والنظر في دلائل توحيد اللّه تعالى . فإن قيل : كيف يحمل أن هذا القول من إبراهيم كان على ابتداء النظر ، وقد تقدّم إنكاره على أبيه وقومه عبادة الأصنام لقوله : ( أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً ) ؟ قيل : تقدّم الآية في التلاوة لا يوجب أنّها مقدّمة في الحال ، ولا يمتنع أن إبراهيم عليه السّلام أنكر على أبيه وقومه بعد هذا النّظر الذي ذكرناه . والثالث : أنّ قوله : ( هذا رَبِّي ) كان على وجه الإنكار الذي يكون مع إلغاء الاستفهام ، وكان قصده من هذا القول استدراج قومه لإقامة الحجّة عليهم وتقربهم إلى الهدى ، فإنّهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ، كأنه قال لهم : هذا ربي في زعمكم ، كما قال تعالى : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ « 1 » . فَلَمَّا أَفَلَ ؛ الكوكب وتبيّن ( ( أنه ) ) « 2 » مسخّر مذلّل ؛ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) ؛ أي لا أعظّمه تعظيم الرّب عزّ وجلّ . وقوله تعالى : ( قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ ) معناه على هذا القول : لئن لم يثبتني ربي على الهدى ؛ لأنّ
--> ( 1 ) الأنعام / 22 . ( 2 ) ( ( أنه ) ) سقطت من المخطوط .